ابن كثير
99
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
تصديقه من هجرانه ، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه ، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه ، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره ، من هجرانه ، فنسأل اللّه الكريم المنان القادر على ما يشاء ، أن يخلصنا مما يسخطه ، ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه ، والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه ويرضاه ، إنه كريم وهاب . وقوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ أي كما حصل لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن ، كذلك كان في الأمم الماضين ، لأن اللّه جعل لكل نبي عدوا من المجرمين ، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم ، كما قال تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 - 113 ] الآيتين ، ولهذا قال تعالى هاهنا : وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً أي لمن اتبع رسوله وآمن بكتابه وصدقه واتبعه ، فإن اللّه هاديه وناصره في الدنيا والآخرة ، وإنما قال هادِياً وَنَصِيراً لأن المشركين كانوا يصدون الناس عن اتباع القرآن لئلا يهتدي أحد به ، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن ، فلهذا قال وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ الآية . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 32 إلى 34 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 34 ) يقول تعالى مخبرا عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم وكلامهم فيما لا يعنيهم ، حيث قالوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً أي هلا أنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة ، كما نزلت الكتب قبله جملة واحدة ، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب الإلهية ، فأجابهم اللّه تعالى عن ذلك بأنه إنما نزل منجما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث ، وما يحتاج إليه من الأحكام ليثبت قلوب المؤمنين به ، كقوله وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [ الإسراء : 106 ] الآية ، ولهذا قال لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ، قال قتادة : بيناه تبيينا . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : وفسرناه تفسيرا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ أي بحجة وشبهة إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً أي ولا يقولون قولا يعارضون به الحق ، إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم . قال سعيد بن جبير عن ابن عباس وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ أي بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ الآية ، أي إلا نزل جبريل من اللّه تعالى بجوابهم وما هذا إلا اعتناء وكبير شرف للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، حيث كان يأتيه الوحي من اللّه عز وجل بالقرآن صباحا ومساء ، وليلا ونهارا ، سفرا وحضرا ، وكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن لا كإنزال كتاب مما